قضية الصحراء وسط تحولات دولية.. الجزائر تراقب في صمت سقوط "حلفائها" وسط استعدادات أمريكية لضرب إيران
تتسارع وتيرة التحولات الدولية على نحو لافت، في الفترة الأخيرة، في وقت تعيش فيه ملفات جيوسياسية حساسة، وفي مقدمتها قضية الصحراء، على وقع تغيرات عميقة في موازين القوى والتحالفات، وسط صمت جزائري يثير تساؤلات حول قدرة هذا البلد على مواكبة التحولات والدفاع عن أطروحة البوليساريو الانفصالية ضد المغرب.
ففي ظرف زمني قصير، تجد الجزائر نفسها أمام حدثين متتاليين يخصان اثنين من أبرز حلفائه، أولا "اعتقال" الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من طرف الولايات المتحدة، وبدء إجراءات التحكم في مؤسسات الدولة ومقدراتها النفطية، ثم ثانيا التطورات الحالية الخاصة بإيران في ظل وجود تقارير دولية تشير إلى استعداد واشنطن لتوجيه ضربة عسكرية محتملة لإيران.
وتمثل هذه التطورات ضربة مباشرة لمحور سياسي كانت الجزائر تعوّل عليه لسنوات داخل المنظمات الدولية، وخاصة في ملف الصحراء، حيث شكّلت فنزويلا وإيران جزءا من الكتلة الداعمة للأطروحة الجزائرية ولموقف جبهة البوليساريو الانفصالية ضد السيادة المغربية على الإقليم.
غير أن اللافت في هذا السياق هو انعكاس ذلك على الجزائر، حسب ما أشارت إليه العديد من التقارير، سواء تجاه ما جرى في فنزويلا، أو إزاء التهديدات الأمريكية المتصاعدة ضد إيران، وهو ما عكسه الصمت الذي يتناقض مع الخطاب الجزائري التقليدي الذي طالما رفع شعارات "مناهضة الإمبريالية" ورفض التدخل الخارجي والدفاع عن "حق الشعوب".
ويُعد انكماش الخطاب الجزائري على ما حدث في فنزويلا أكثر دلالة، باعتبار أن كاراكاس كانت من أكثر الدول انسجاما مع الخطاب الجزائري في قضية الصحراء، إذ أعلنت فنزويلا مرارا دعمها الصريح لجبهة البوليساريو، ونسّقت مع الجزائر داخل منظمة "أوبك" وخارجها في مواقف سياسية مشتركة.
ومع سقوط فنزويلا عمليا من دائرة التأثير السياسي الداعم للجزائر، تخسر الأخيرة حليفا كان يُستعمل في المحافل الدولية كورقة ضغط رمزية في مواجهة المغرب، خاصة في أمريكا اللاتينية التي نجحت فيها الرباط خلال السنوات الأخيرة في تحجيم عدد الداعمين للجزائر والبوليساريو، حيث لم تكن إلا فنزويلا المتبقية بمواقفها المضادة لسيادة المغرب على الصحراء بشكل علني وصريح.
وفي الاتجاه نفسه، تُثير التهديدات الأمريكية بضرب إيران قلقا إضافيا للجزائر، باعتبار طهران أحد الحلفاء السياسيين الذين تقاطعوا معها في العديد من المواقف، من أبرزها دعم البوليساريو عسكريا، عن طريق إمداد الجبهة الانفصالية بالأسلحة وعن طريق التداريب، وقد أثبت المغرب ذلك بالعديد من الوثائق.
وحسب تقارير دولية، فإن واشنطن تبدو عازمة على توجيه ضربات عسكرية لإيران، في الوقت الذي خرجت فيه طهران أيضا مهددة بالرد عبر استهداف إسرائيل وقواعد أمريكية في حال شنت واشنطن هجوما عليها، بينما تعيش تل أبيب في حالة تأهب قصوى تحسبا لأي تدخل أمريكي محتمل، ما يضع المنطقة على حافة تصعيد واسع.
وتأتي هذه التهديدات بينما تواجه إيران أكبر موجة احتجاجات منذ 2022، حيث لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل، مؤكدا أن الولايات المتحدة "مستعدة للمساعدة"، في خطاب يعيد إلى الأذهان السيناريو الفنزويلي القائم على استغلال الاضطرابات الداخلية لإعادة هندسة السلطة.
وإذا ما تطور هذا السيناريو إلى تدخل مباشر يسقط النظام الإيراني، فإن الجزائر ستكون أمام فقدان حليف إضافي كانت تراهن عليه في التوازنات الدولية، ما قد يُضعف قدرتها على حشد الدعم السياسي لأطروحتها في قضية الصحراء، خصوصا في ظل التحولات التي يعرفها موقف عدد من الدول الإفريقية واللاتينية.
ويأتي هذا كله في وقت يراكم فيه المغرب مكاسب دبلوماسية متتالية في ملف الصحراء، سواء عبر توسيع دائرة الاعتراف بسيادته على الإقليم، أو من خلال دعم متزايد لمبادرة الحكم الذاتي من قبل قوى غربية وازنة، علما أن المغرب يستعد حاليا لتقديم خطة الحكم الذاتي لإنهاء نزاع الصحراء بشكل مفصل للأمم المتحدة في الشهور المقبلة.




